محمد بن جرير الطبري
133
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ : أفمن وجبت عليه كلمة العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره به ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ بكفره . وقوله : أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أفأنت تنقذ يا محمد من هو في النار من حق عليه كلمة العذاب ، فأنت تنقذه ؛ فاستغنى بقوله : تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ عن هذا . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : هذا مما يراد به استفهام واحد ، فيسبق الاستفهام إلى غير موضعه ، فيرد الاستفهام إلى موضعه الذي هو له . وإنما المعنى والله أعلم : أفأنت تنقذ من في النار من حقت عليه كلمة العذاب . قال : ومثله من غير الاستفهام : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ فردد " أنكم " مرتين . والمعنى والله أعلم : أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم ؛ ومثله قوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وكان بعضهم يستخطئ القول الذي حكيناه عن البصريين ، ويقول : لا تكون في قوله : أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ كناية عمن تقدم ، لا يقال : القوم ضربت من قام ، يقول : المعنى : ألتجرئة أفأنت تنقذ من في النار منهم . وإنما معنى الكلمة : أفأنت تهدي يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمان ، فتنقذه من النار بالإيمان ؟ لست على ذلك بقادر . وقوله : لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ يقول تعالى ذكره : لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه ، لهم في الجنة غرف من فوقها غرف مبنية علالي بعضها فوق بعض تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول تعالى ذكره : تجري من تحت أشجار جناتها الأنهار . وقوله : وَعْدَ اللَّهِ يقول جل ثناؤه : وعدنا هذه الغرف التي من فوقها غرف مبنية في الجنة ، هؤلاء المتقين لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ يقول جل ثناؤه : والله لا يخلفهم وعده ، ولكنه يوفي بوعده . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً . . . الْأَلْبابِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أَ لَمْ تَرَ يا محمد أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً وهو المطر فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يقول : فأجراه عيونا في الأرض ؛ وأحدها ينبوع ، وهو ما جاش من الأرض . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن جابر ، عن الشعبي ، في قوله : فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ قال : كل ندى وماء في الأرض من السماء نزل . حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن جابر ، عن الحسن بن مسلم بن بيان ، قال : ثم أنبت بذلك الماء الذي أنزله من السماء فجعله في الأرض عيونا زرعا مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ يعني : أنواعا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز ، ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا يقول : ثم ييبس ذلك الزروع من بعد خضرته ، يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوي : هاجت الأرض ، وهاج الزرع . وقوله : فَتَراهُ مُصْفَرًّا يقول : فتراه من بعد خضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر ، وكذلك الزرع إذا يبس أصفر